• Sos. Fundeni, nr. 39, Judetul Ilfov

المعرفة... متطلب أساسي للاكتفاء الذاتي

المعرفة... متطلب أساسي للاكتفاء الذاتي

د. عبدالغني جغمان – شركة اولتارا الاستشارية

 

لقد أصبحت المعرفة من أهم مكونات رأس المال في العصر الحالي، وأصبح تقدم أي مجتمع مرتبطا أساساً بالقدرة على استخدامها. وحينما نطلق لفظ مجتمع، فهذا يعني أن النشاطات المعرفية التي يقوم بها ويتميز بها هذا المجتمع، ولذا فإن مجتمع المعرفة هو مجموعة من الناس ذوي الاهتمامات المتقاربة، الذين يحاولون الاستفادة من تجميع معرفتهم سويا بشأن المجالات التي يهتمون بها، وخلال هذه العملية يضيفون المزيد إلى هذه المعرفة.

وهكذا فإن المعرفة هي الناتج العقلي والمجدي لعمليات الادراك والتعلم والتفكير. واصطلاح (مجتمع المعرفة) يعترف بجبروت القوة العقلية أكثر من غيرها من أي نوع من أنواع القوى، سواء كانت اقتصادية أو عسكرية أو سياسية. ويتحدد الموقف الذي يتمتع به أي بلد في العالم اليوم من خلال قدرته على الاستفادة المثلى من القدرات العقلية لدى كافة أفراد المجتمع وبناء مجتمع معرفي قوي وقادر على التميز والإبداع وليس الاستهلاك والإتباع.

تتميز مجتمعات المعرفة أن المعرفة تشكل أهم المكونات التي يتضمنها أي عمل يتصل بالنشاط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وكافة الأنشطة الانسانية الاخرى التي أصبحت معتمدة على توافر كم كبير من المعرفة والمعلومات. وتعد المعلومات هي المادة الخام للمعرفة. فإن كانت المعلومات تأتى نتيجة إدراك العلاقات بين البيانات بعضها ببعض أو إدراك العلاقات بين البيانات والمعلومات الاخرى فإن المعرفة تأتى نتيجة إدراك الانماط المشتركة بين المعلومات بعضها ببعض.  أي أن المعرفة تأتى نتيجة إدراك العلاقة بين العلاقات. وتعتبر المعرفة حصيلة الامتزاج الخفي بني المعلومة والخبرة والمدركات الحسية والقدرة على الحكم حيث إننا نتلقى المعلومات ونخرجها بما تدركه حواسنا ولذلك فإن المعلومات تعد وسيطا لاكتساب المعرفة ضمن وسائل عديدة أخرى كالحدس والتخمين والممارسة الفعلية.

وينتهي الهرم المعرفي بالحكمة، ولكن ليس كل تراكم معرفي حكمة، فهذا الأمر يحتاج لتدقيق وتحليل وتقييم لمفردات وتراكيب المعلومات، كما أن ليس كل المعلومات ذات قيمة أو فائدة، ولذا على المرء انتقاء المعلومات والمعرفة التي تناسب، والتي هو يحتاج لها أو يرغب في معرفتها، لأن النتيجة من ذلك والفائدة المرجوة هي أن تضيف له تلك المعلومات والمعرفة قيمة فكرية ووعي جديد وخبرة قيمة، وليس تلوث فكري وتلوث في المفاهيم والمعتقدات وانحراف عن الصواب (تقليد ثقافة الغرب تقليد اعمى) ، وهذا الأمر يطبق كذلك على المؤسسات التربوية والجامعات، فما الفائدة من امتلاك حصيلة معرفية ضخمة لا تنتج ما يفيد ولا يمكن استخدامها

ونظرا للتطور الهائل وبشكل غير مسبوق في عالم تقنية المعلومات، والتي هي المادة الخام للمعرفة، فقد حدث تطور هائل في مجتمعات المعرفة على مستوى دول العالم. إلا ان الفرق بين مجتمع معرفي في دولة من الدول ومجتمع معرفي في دولة أخرى يعتمد في الأساس على مدى تفعيل النشاطات المعرفية الرئيسة، والنشاطات المعرفية الرئيسة هي:

1. ابتكار المعرفة: ويرتكز مفهوم مجتمع المعرفة على عمليات ابتكار وتكوين المعرفة من خلال توظيف التراكم المعرفي الموجود بالمجتمع لتكوين معرفة جديدة، أو الاستفادة من التفاعلات بني أعضاء هذا المجتمع، وبيئته التنافسية الابتكار معرفة جديدة.

 2. مشاركة المعرفة: وهى نشاط يتم عن طريقه تبادل المعرفة بني أفراد مجتمع المعرفة فيما بينهم، أو بينهم وبني أفراد المجتمعات الأخرى. ويختلف أسلوب وطبيعة المشاركة طبقا لنوع المعرفة. ويجب أن نفرق بني المشاركة بالمعرفة والمشاركة بالمعلومات، لأن المشاركة بالمعلومات لا تتضمن عنصر التفكير.

3. تقييم المعرفة: ليست كل الأفكار الجديدة هي أفكار جيدة، ولذا كان على المؤسسات تقييم الأفكار الجديدة ودراسة الفوائد والأخطار المتوقعة عند تطبيقها والأثر المتوقع منها في كافة نواحي المجتمع.

4. نشر المعرفة: حيث إن قصرها على أفراد وفئات معينة في المجتمع يفقدها قيمتها. والغرض من هذه المرحلة هو إيصال المعرفة لجميع من يعنيهم الأمر في المجتمع. وهناك وسائل عديدة لنشر المعرفة مثل تطبيقات تكنولوجيا المعلومات لنشر المعرفة وتوزيعها كالأنترنت، وكذلك يمكن نشر المعرفة عن طريق وسائل التعليم ودورات التدريب وورش العمل.

5. تطبيق المعرفة: حيث يتم استيعاب، واستخدام، ودمج المعرفة التي أكتسبها أفراد المجتمع أثناء الممارسات والأعمال اليومية بقصد تحسين مستوى الأداء والقدرة على الإبداع، والوصول إلى مستوى أعلى من الكفاءة والإنتاجية، والتي يجب أن تؤدى في النهاية إلى تحسين مستوى معيشتهم.

وبناء مجتمع المعرفة يحتاج بصورة رئيسة إلى تعليم عال متطور، يفتح جميع نوافذ العلم والتقنية وأبواب فكر العمل والإنتاج، ويخطط بثقة لمستقبل زاهر ويسهم في الإبداع والابتكار، ويقوم بتهيئة الكوادر، ويتعاون ويبني الشراكات المعرفية مع المؤسسات المختلفة داخلياً وخارجياً.  وهنا اود الإشارة الى انه لبناء مجتمع المعرفة، لا ينبغي اختزاله في مجرد السعي نحو تحديث مجالي التعليم والبحث العلمي، بل تتخطاها إلى إعادة تنظيم حياة الأفراد وقطاعات المجتمع ككل لتعبر عن مركزية العلم والتكنولوجيا وتطبيقاتهما الفعلية في الحياة المعاصرة بما يعنيه ذلك من ربط مؤسسي بين مبادئ حرية تداول المعلومات والشفافية والمسؤولية والمحاسبة والنقد الذاتي وبين أولوية التطوير المستمر لقطاعات المجتمع الحيوية.

 

عواقب عدم المشاركة في مجتمع المعرفة

إذا انطلقنا من ثلاثية المعرفة والتنمية والحرية، والتي تعني بكل بساطة أنه لا تقدم بدون معرفة ولا معرفة بدون حرية، إذ العلاقة عضوية بين العناصر الثلاثة، فلا تنمية إنسانية من دون معرفة. وهنا يجب التأكيد على غائية المعرفة التي تخدم التنمية والمجتمع الذي تنصهر فيه، فالمعرفة في نهاية المطاف مطلب وحق إنساني. 

نعم نحن جميعا مشغولون بأنشطة التواصل، والابتكار والتوزيع والاطلاع على المحتويات الرقمية، وقد أصبح ذلك الشمول الرقمي أمرا ضروريا، وأساسيا ليس فقط بالنسبة للفرد الذي يرغب في المشاركة، ولكنه ضروري أيضا للاقتصاد، بالنسبة للنشء فإن عدم مشاركتهم في مجتمع المعرفة يعنى: انخفاض الأجور، وتقليل فرص العمل، وتقليل الفرص التعليمية، وزيادة تكاليف السلع والخدمات، وزيادة الوقت المستغرق في الحصول على الخدمات العامة يقل متوسط الأجور بنسبة 10 ٪نظرا لعدم القدرة على استخدام الإنترنت والبريد الإلكترونيالاستبعاد من فرص العمل أو الترقيات التي تتطلب استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. الاستبعاد من التعليم في المستوى الجامعي والتحصيل الضعيف في التعليم في التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي. زيادة التكاليف السنوية للتسوق والتعامل مع البنوك مقارنة بالتعامل عن طريق الإنترنت (قد تصل الزيادة إلى ٥٪). قضاء وقت إضافي ما معدله 69 دقيقة إضافية على كل معاملة من معاملات الخدمات العامة مقارنة مع ما يمكن تنفيذه على الأنترنت.

وفي بلدنا ومع الحصار.. فإننا نلاحظ أن فجوة المعرفة تعني الفقر والضعف والتهميش، ومن ثم التبعية والرضوخ، ما يؤدي إلى المشاكل الاجتماعية والجريمة والعنف والتطرف...الخ.  وهذا يؤثر على الأهداف السامية التي تسعى الى تحقيق الاكتفاء الذاتي في الأساسيات كونها تعد ضرورة وطنية واستراتيجية بالدرجة الأولى، لبناء اقتصاد قوي يعتمد على الإنتاج الوطني بالإضافة إلى أنه يحقق شعورا بالعزة والكرامة للدولة واستقلالية في قرارها.

وبشكل رئيس هنالك ثلاث مجالات رئيسية يجب تحقيق الاكتفاء الذاتي فيها وهي الغذاء والدواء والتعليم. هذه الثلاث مجالات تتمحور حول المعرفة والتكنولوجيا وضرورة تسليح الأجيال القادمة بالمعرفة، حيث تتنافس المجتمعات المعاصرة فيما تزخر به من عقول، وما تملكه من معارف وتقنيات وإبداع ومن قدرات على البحث والتطوير، والابتكار، والاتصال والتواصل عبر الشبكات الإلكترونية، وما تبثه من معارف، وما تنفقه في بناء قدرات النشء والشباب وتطوير مهاراتهم، وما تبذله من جهود في توطين المعارف ونقلها وتسخيرها لبناء وطن قوي مستقل بكوادر وطنية تعزز الاكتفاء الذاتي في كافة المجالات. 

واختم بالقول.. من ينتج المعرفة يمتلكها، ومن يمتلكها فهو المؤهل للقيادة ويصبح هو الأقدر على الاختيار واتخاذ القرار بحرية وبدون أي املاءات. 

Share Post