• Sos. Fundeni, nr. 39, Judetul Ilfov

مراكز الدراسات والأبحاث ودورها في صناعة السياسات

مراكز الدراسات والأبحاث ودورها في صناعة السياسات

د. عبدالغني جغمان 

استشاري في التنمية المستدامة والحكم الرشيد

 

 

تلعب مراكز الدراسات حول العالم دورا محوريا في صنع السياسات وتوجيه قرارات الدول نحو القضايا المهمة التي تهدف إلى الوصول إليها. حيث تعد مراكز البحوث والدراسات هي الحاضنة لصناعة السياسات وهي المقيم المستقل للسياسات القائمة، وهي المؤشر الفعال على مدى نجاح الأجهزة التنفيذية في عملها، وهي الأداة التي يتم من خلالها استشراف المخاطر والتنبؤ بها والداعي لإحداث التغييرات أو التطويرات التي تساعد على ردم الفجوة بين التشريع والتنفيذ والواقع. ولأهمية موضوع الدراسات التخصصية، اهتمت الدول بإنشاء ورعاية مراكز الدراسات في مختلف التخصصات، ومنها مراكز الدراسات الاقتصادية التي تراعي في طبيعتها الآثار الاجتماعية والاقتصادية والأمنية للقرارات المتبناة، والتأكد من سلامة تنفيذها وسيرها نحو تحقيق الأهداف المأمولة.

في الوقت الحاضر، يعمل خبراء الاقتصاد في كل مكان، في نطاق واسع من أداء المهام الاستشارية إلى صياغة السياسات. كما أنها تسهم في وضع سياسات عامة أخرى كثيرة ذات مواضيع متعددة، بما في ذلك الرعاية الصحية، وتغير المناخ، والرعاية الاجتماعية، والإصلاحات المدرسية، وديناميات سوق العمل، والتنمية الاقتصادية، والجهود الرامية إلى الحد من عدم المساواة والفقر والبطالة والتفاوت الإقليمي، والتلوث، وما إلى ذلك.  وتشكل التكنولوجيا والمؤسسات الاقتصادية وأفضليات الشعوب وعلم الاجتماع بعض العوامل الحاسمة الهامة في تحقيق النتائج الاقتصادية.  

تعد الدراسات الاقتصادية من الأهمية بمكان لكونها تساهم في بناء نوعين من المعرفة أولاً، إنها بمثابة "وسيلة للتواصل بين الناس، تتضمن مفردات أساسية أو حديثاً يتداول بشكل يومي لدرجة ان المعرفة الاقتصادية يجب أن يمتلكها الجميع". ثانياً، إنها "نوع من المعرفة التي تشتد الحاجة إليها بشكل مؤسساتي ومنظم وبالاستفادة من ذوي الخبرة والاطلاع ".

ومن المؤكد أن تعزيز الوعي الاقتصادي يسهم في الفئة الأولى من المعرفة. كون اغلب افراد المجتمع غالبا ما يفكروا ويتحدثوا عن القضايا الاقتصادية التي تؤثر عليهم كمستهلكين وعمال ومنتجين ومستثمرين ومواطنين وفي أدوار أخرى يضطلعون بها على مدى العمر. بشكل عام نحن مضطرون إلى اتخاذ خيارات اقتصادية في حياتنا اليومية. علم الاقتصاد يعلمنا أشياء كثيرة مثل كيفية اتخاذ الخيارات في ظل الندرة، وكيف يعمل الاقتصاد الكلي، وكيفية التفاعل في المجتمع، وكيفية تفسير الأحداث، وكيفية المشاركة في الديمقراطية كمواطن مسؤول إلخ. إن دراسة الاقتصاد تجهز الأفراد لاتخاذ قرارات أفضل تؤدي إلى زيادة الأمن الاقتصادي والرفاه للشعب والمجتمع.

 

كما تساهم زيادة المعرفة الاقتصادية في توفير درجة ثانية من المعرفة، والتي تساعد المواطن في اتخاذ بعض القرارات الاقتصادية، مثل شراء منزل أو فتح شركة او مشروع صغير او حتى الاستثمار وشراء الأسهم في الشركات المساهمة، بدون الحاجة الى الرجوع الى شخص متخصص في الاقتصاد. وبالتالي يحسن كفاءة كل فرد على اتخاذ القرارات الشخصية والاجتماعية حول العديد من القضايا الاقتصادية التي سوف تواجه على مدى العمر.

تاريخياً، نشأت النظرية الاقتصادية من الاقتصاد السياسي. لقد أدت أزمة الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين إلى فترة خصبة من التخمير العلمي والثورة في النظرية الاقتصادية. وأوصت المدرسة الكينزية بأن مشاكل التخلف يمكن حلها عن طريق توسيع نطاق الأنشطة الحكومية. بعد ذلك ظهرت العديد من النظريات الاقتصادية وصلت إلى اكثر من الـ 1000 لشرح العالم الحقيقي.  على سبيل المثال، قد نأخذ نظرية التوازن العام التي تتعلق بالطريقة التي يؤدي بها الاضطراب الاقتصادي الواضح إلى نظام منظم وكيف أن القرارات التي تبدو مستقلة، وكلها بدافع من المصلحة الذاتية، يمكن أن تصبح منسقة وتؤدي إلى شيء يمكن أن يكون معقولا.  من جانب اخر أدت الأزمة المالية العالمية في عام 2008 إلى ظهور نظريات اقتصادية جديدة مثل اقتصاديات غيرية لتقديم رؤى أفضل في العالم الحقيقي.

لكل بلد تجاربه التاريخية الخاصة وخصوصياته الاقتصادية. ويساعدنا الاقتصاد على تحديد تدابير السياسة العامة الرامية إلى تحقيق مسار النمو المستدام الذي حققت به بلدان مثل الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة في آسيا وبوتسوانا في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تقدما اقتصاديا. وتساعد الدراسات والتحليل الاقتصادي على أن نجد أن المصادر الرئيسية لنمو البلدان المنخفضة الدخل والتي تعد اليمن احداها: هي تراكم رأس المال، تعزيز الإنتاج، والزيادات في حجم ونوعية القوى العاملة، والتحسين التكنولوجي، دعم الاقتصاد المجتمعي، وإدارة الموارد الطبيعية بكفاءة. 

إن دراسة الاقتصاد بناء على معلومات وتحليلات وإحصاءات شاملة ومتعددة الأبعاد" من خلال مراكز الدراسات الاقتصادية تراعي بشكل رئيس في طبيعتها الآثار الاجتماعية والاقتصادية والأمنية للقرارات المتبناة، يعد ضرورة للتأكد من سلامة تنفيذها وسيرها نحو تحقيق الأهداف المأمولة.  ومع التحول الجذري للاقتصاد في العقود الأخيرة، هناك طلب متزايد على التقارير والدراسات الاقتصادية التي تتناول عده مواضيع تخدم مختلف القطاعات وتدرس التداخلات بينها، مثل الحكومة، والتمويل والأعمال المصرفية، والقطاع الاجتماعي، والإدارة، والأعمال التجارية، وصنع السياسات، والتدريس.

وهنا نشير الى أهمية توحيد الجهود وبناء مراكز بحثية استراتيجية تعمل على الاستفادة من البيانات الاقتصادية، وتطوير البحوث الاقتصادية الدقيقة وتعظيم الاستفادة منها، فضلا عن التقليل إلى أدنى حد من سوء صنع القرار والتكاليف التي يتحملها. وتعزيز التعاون بين مؤسسات الإدارة العامة والأوساط الأكاديمية، واستيعاب وزيادة القدرات البشرية في هذا المجال.  

إن البحوث الاقتصادية ضرورية لمجموعة واسعة من المجالات، من تحليل التطورات الاقتصادية الراهنة على المستويين الإقليمي والعالمي وانعكاساتها على الاقتصاد اليمني ودول المنطقة، مع التركيز على قضايا العمالة وخطط التنمية المستدامة، والتنمية البشرية، بالإضافة إلى دراسة التطورات الاقتصادية العالمية وخاصة قضايا التجارة العالمية واداء الاقتصادات العالمية، وبالتالي، لا يمكن لأي مؤسسة، ولا يمكن لأي مصرف مركزي صغير أن يتعامل بمفرده مع جميع احتياجات ومتطلبات البحوث الاقتصادية.  

فيما يلي إشارة الى أهمية الدراسات الاقتصادية ودورها المحوري في العملية التنموية والاستراتيجية للبلد: 

1-  تحقيق التنمية البشرية 

يدرس الاقتصاد المسألة الحيوية المتمثلة في إستنزاف الموارد الشحيحة. إن الفقر الحالي وسوء مستوى معيشة شعوب العديد من البلدان المتخلفة يرجعان إلى ضعف الموارد وقلة الإنتاج ونقص التكنولوجيا. إن معرفة الاقتصاد ضرورية للقضاء على الفقر في أي دولة ورفع مستويات معيشتها.

2- تعزيز القطاع التجاري

من خلال معرفة كيف تعمل القوى المعقدة في النظم الاقتصادية. والعلاقة بين المنتج والمستهلك، والعمالة والإدارة وما إلى ذلك. وهو يشرح كيف يؤثر الإجراء في قطاع واحد على القطاع الآخر. وبدون معرفة عمل النظم الاقتصادية، لن تكون الإدارة فعالة بل قد تكون مستحيلة.

3. المساهمة في تطوير القطاع الصناعي   

في الحياة العملية، تساعد الدراسات الاقتصادية رجال الأعمال والصناعي والمصرفي وكذلك النقابات العمالية على التطورات الاقتصادية والتنموية وتوجهاتها المحلية والاقليمية. بما يعطي رجال الأعمال والصناعيين الحافز والمعلومة للبحث عن الأساليب الحديثة للإنتاج ومواكبة التطورات الاقتصادية والإنتاج بتكلفة منخفضة.

5. زيادة الثروة الوطنية

من خلال دراسة الاقتصاد، يمكننا اكتشاف عوامل جديدة قد تؤدي إلى زيادة الثروة الوطنية واستغلال الموارد الطبيعية بشكل افضل. من خلال تقديم الدراسات الاقتصادية التي تساعد الحكومات على التخطيط الاستراتيجي الاقتصادي بشكل اكثر ملائمة للواقع. والغرض من التخطيط هو إزالة الفقر بزيادة الدخل القومي والثروة وكذلك عن طريق التوزيع الفعال للثروة. وبدون معرفة الاقتصاد، فإن هذا مستحيل تماما.

6- دعم القطاع المالي والمصرفي

معرفة الاقتصاد أمر ضروري جدا في القطاع المالي والمصرفي، حيث يساعد في تأطير النظام العادل للضرائب. ويساعد في وضع ميزانية التنمية وإزالة البطالة. كما يعزز من إدارة النظام المصرفي والائتماني ويحسن من الخدمات المقدمة للمواطنين.

7. تعزيز الجانب التشريعي والقانوني

إن معرفة الاقتصاد ضرورية جداً للمشرعين والبرلمانيين. ولن تكون الجهات التشريعية قادرة على وضع القوانين بشكل فعال إلا من خلال الاطلاع على الدراسات الاقتصادية. كما يساعد ذلك الشعب على فهم العديد من البرامج الاقتصادية التي قدمتها الأحزاب السياسية في "بيانها الانتخابي". ويمكن للشعب أن يحكم بحكمة على حقيقة البيانات التي اُدلي بها في البيان.

8. المساهمة الفاعلة في صناعة وتنفيذ السياسات 

إن مراكز البحوث والدراسات هي الحاضنة لصناعة السياسات وهي المقيم المستقل للسياسات القائمة، وهي المؤشر الفعال على مدى نجاح الأجهزة التنفيذية في عملها، وهي الأداة التي يتم من خلالها استشراف المخاطر والتنبؤ بها والداعي لإحداث التغييرات أو التطويرات التي تساعد على ردم الفجوة بين التشريع والتنفيذ والواقع.


 

إن مواكبة التغييرات الاقتصادية والاجتماعية، وما تعانيه اليمن من حصار اقتصادي وتحدي شامل في البناء وإعادة الاعمار يقضي بوجود مراكز دراسات وطنية مؤهلة وقادرة على اجراء الاستبيانات والمسوحات التي تخدم عمليات بناء وتقييم السياسات الاقتصادية وإعادة البناء بما يتفق مع السياسات العامة والظروف المحيطة وتكون معينا للقيادة في تحقيق اهداف الرؤية الوطنية لبناء الدولة اليمنية الحديثة ٢٠٣٠. وهنا نخلص الى ان الاقتصاد ليس حزمة من النظريات والمبادئ. إنه علم اجتماعي عملي. وإن إنشاء مراكز للدراسات والبحوث الاقتصادية، هي من المسائل ذات الأهمية الرئيسية، فهي لن تعزز الكفاءة في إجراء البحوث فحسب، بل ستحفز أيضاً النقد والمعارضة المهنيين وتصل إلى معايير أعلى في تطبيق مبادئ الحكم الرشيد، كما انها تسهم بشكل رئيس في وضع مبادئ وسياسات اقتصادية فاعلة من أجل القضاء على الفقر وزيادة رفاهالإنسان اليمني. 

Share Post